كنوز تقودك الى جنة الدنيا والاخرة

عبارة عن كنوز من السنة الصحيحة والقران في جميع مجالات الحياة:الاجتماعية والاقتصادية والطبية والنفسية من خلال ابحاث لمدة عشرين سنة تقودك الى الحياة السعيدة
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 القاعدة التاسعة :وليس الذكر كالانثى

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin


المساهمات : 147
تاريخ التسجيل : 20/08/2017

مُساهمةموضوع: القاعدة التاسعة :وليس الذكر كالانثى   الأحد سبتمبر 24, 2017 12:29 pm

هذه قاعدة من القواعد القرآنية العظيمة، التي هي أثر من آثار كمال علم الله وحكمته وقدرته في خلقه ﷻ، تلكم هي قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ [آل عمران:٣٦].
وهذه الآية جاءت في سياق قصة امرأة عمران، والدة مريم -عليهما السلام- يقول تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ۝ فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران:٣٥-٣٦].
وخلاصة القصة: أن امرأة عمران قد نذرت أن يكون مولودها القادم خادمًا لبيت المقدس، فلما وضعت مولودها، قالت معتذرة: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ ؛ لأن قدرة الذكر على خدمة بيت المقدس، والقيام بأعباء ذلك أكثر من الأنثى التي جبلها الله تعالى على الضعف البدني، وما يلحقها من العوارض الطبيعية التي تزيدها ضعفًا: كالحيض والنفاس (*١*).
ولقد بين القرآن هذا التفاوت بين الجنسين في مواضع كثيرة، منها: قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ﴾ : وهم الرجال ﴿عَلَى بَعْضٍ﴾ : وهن النساء، ومنها: قوله تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة:٢٢٨]، وذلك لأن الذكورة كمال خلقي، وقوة طبيعية، وشرف وجمال، والأنوثة نقص خَلْقي، وضعف طبيعي، كما هو محسوس مشاهد لجميع العقلاء، لا يكاد ينكره إلا مكابر في المحسوس، وقد أشار جل وعلا إلى ذلك بقوله: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف:١٨]؛ فالأنثى تنشأ في الحلية، أي: الزينة -من أنواع الحلي والحلل- لتجبر بذلك نقصها الخَلْقي (*٢*).
بل يقال: إن بعض ما جبل الله عليه الأنثى هو نوع من الكمال في حقها، وإن كان نقصًا في حق الرجال، «ألا ترى أن الضعف الخَلْقي والعجز عن الإبانة في الخصام عيب ناقص في الرجال، مع أنه يعد من جملة محاسن النساء التي تجذب إليها القلوب» (*٣*).
هذا هو حكم الله القدري: أن الذكر ليس كالأنثى، وهذا حكم الأعلم بالحِكَمِ والمصالح، هذا كلام الذي خلق الخلق، وعَلِمَ ما بينهم من التفاوت والاختلاف: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك:١٤]، وقد تفرع على ذلك: اختلاف بين الذكر والأنثى في جملة من الأحكام الشرعية -وإن كانا في الأصل سواء-.
وهذا الاختلاف في الأحكام الشرعية بين الذكر والأنثى راجع إلى مراعاة طبيعة المرأة من حيث خلقتها، وتركيبها العقلي، والنفسي، وغير ذلك من صور الاختلاف التي لا ينكرها العقلاء والمنصفون من أي دين، وليعلم المؤمن ههنا قاعدة تنفعه في هذا الموضع وفي مواضع كثيرة، وهي: أن الشرع لا يمكن أن يفرق بين متماثلين، ولا يجمع بين متناقضين، وشأن المؤمن الحق أن لا يعارض الشرع بعقله القاصر، بل شأنه أن يتلمس الحكم من وراء ذلك التفريق، أو هذا الجمع.
ومن توهم أنهما سواء فقد أبطل دلالة القرآن والسنة على ذلك:
أما القرآن فإن القاعدة التي نحن بصدد الحديث عنها دليل واضح على هذا.
وأما السنة: فإن النبي ﷺ لعن المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال (*٤*)، فلو كانا متساويين لكان اللعنُ باطلًا.
ولنتأمل شيئًا من حِكَمِ الله تعالى في التفريق بين الذكر والأنثى في بعض الأحكام الشرعية، ومن ذلك:
١- التفريق في الميراث:
اقتضت سنة الله أن يكون الرجل هو الذي يكدح ويتعب في تحصيل الرزق، وهو الذي يطلب منه دفع الميراث، والمشاركة في دفع الدية -عند قيام المقتضي لذلك- فالذكر مترقب دومًا للنقص من ماله، بعكس الأنثى فهي دومًا تترقب الزيادة في مالها: حينما يدفع لها المهر، وحينما ينفق عليها من قبل وليها.
يقول العلامة الشنقيطي: «وإيثارُ مترقب النقص دائمًا على مترقب الزيادة دائمًا -لجبر بعض نقصه المترقب- حكمتُه ظاهرة واضحة، لا ينكرها إلا من أعمى الله بصيرته بالكفر والمعاصي» (*٥*).
٢- التفريق في الشهادة:
وهذا نصت عليه آية الدين: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة:٢٨٢]، كما دلت عليه السنة الصحيحة عن النبي ﷺ، وبين أن سبب هذا هو نقصٌ في عقلها.
وهذا التفريق -لمن تأمله- عين العدل، يقول الشيخ السيد رشيد رضا -مبينًا هذا المعنى-: «إن المرأة ليس من شأنها الاشتغال بالمعاملات المالية ونحوها من المعاوضات، فلذلك تكون ذاكرتها فيها ضعيفة، ولا تكون كذلك في الأمور المنزلية -التي هي شغلها- فإنها فيها أقوى ذاكرة من الرجل، يعني أن طبع البشر ذكرانًا وإناثًا أن يقوى تذكرهم للأمور التي تهمهم ويكثر اشتغالهم بها، ولا ينافي ذلك اشتغال بعض نساء الأجانب في هذا العصر بالأعمال المالية فإنه قليل لا يعول عليه، والأحكام العامة إنما تناط بالأكثر في الأشياء وبالأصل فيها» (*٦*) انتهى.
ولا يظنن أحدٌ أن في ذلك انتقاصًا لقدرها، بل هو تنزيهٌ لها عن ترك مهمتها الأساسية في التربية والقرار في البيت، إلى مهمة أقل شأنًا وسموًا، وهي ممارسة التجارة والمعاملات المالية!
وقد أشار فريق من الباحثين إلى أن المرأة الحامل ينكمش عندها حجم الدماغ، ولا يعود لحجمه الطبيعي إلا بعد أشهر من وضعها.
وليُعلم أن هذا الحكم -أعني كون شهادة المرأة على النصف من شهادة الرجل- ليس مطردًا في جميع الأبواب، بل إنها مثل الرجل في بعض الأحكام، كشهادتها في دخول شهر رمضان، وفي باب الرضاع، والحيض، والولادة، واللعان وغير ذلك من الأحكام.
ونحن بحمد الله مؤمنون بحكم الله وقدره، ولا تزيدنا البحوث الحديثة إلا يقينًا، ونقطع بأن أي بحث يخالف صريح القرآن فنتيجته غلط، وإنما أتي صاحبها من سوء فهمه.
وليس هذا التفريق بين الذكر والأنثى كله في صالح الرجل، بل جاءت أحكام تفرق بينهما تفريقًا لصالح المرأة -إن صحّت العبارة-، ومن ذلك: أن الجهاد لا يجب على النساء لطبيعة أجسادهن، فسبحان العليم الحكيم الخبير.
إذا تبين هذا؛ فعلى المؤمن أن يحذر من كلمة راجت على كثير من الكتاب والمثقفين، وهي كلمة «المساواة» في مقام الحديث عن موضوع المرأة، وهي كلمةٌ لم ترد في القرآن بهذا المعنى الذي يورده أولئك الكتاب، كقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ ، وكقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ ، وكقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ﴾ والصواب أن يعبر عن ذلك بالعدل؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل:٩٠]، ولم يقل: يأمر بالمساواة! لأن في كلمة المساواة إجمالًا ولبسًا بخلاف العدل، فإنها كلمة واضحة بينة صريحة في أن المراد أن يعطى كل ذي حق حقه.
إن دلالة العدل تقتضي أن يتولى الرجل ما يناسبه من أعمال، وأن تتولى المرأة ما يناسبها من أعمال، بينما كلمة مساواة: تعني أن يعمل كلٌ من الجنسين في أعمال الآخر!
ومدلول كلمة العدل: أن تعمل المرأة عددًا من الساعات يناسب بدنها وتكوينها الجسمي والنفسي، بينما مقتضى المساواة: أن تعمل المرأة نفس ساعات الرجل، مهما اختلفت طبيعتهما!
وهذا كلّه عين المضادة للفطرة التي فطر الله عليها كلًا من الرجل والمرأة!
ولهذا لما أصرت بعض المجتمعات الغربية على هذه المصادمة للفطرة، وبدأت تساوي المرأة بالرجل في كل شيء ذاقت ويلاتها ونتائجها المرة، حتى صرخ العقلاء منهم -رجالًا ونساء- وكتبَوا الكتب والرسائل التي تحذر مجتمعاتهم من الاستمرار وراء هذه المصادمة، ومن ذلك:
١- ما قالته دافيسون -زعيمة حركة كل نساء العالم-: «هناك بعض النساء حطمن حياتهن الزوجية عن طريق إصرارهن على المساواة بالرجل، إن الرجل هو السيد المطاع، ويجب على المرأة أن تعيش في بيت الزوجية، وأن تنسى كل أفكارها حول المساواة» (*٧*).
٢- وهذه هيلين أندلين -وهي خبيرة في شؤون الأسرة الأمريكية- تقول: «إن فكرة المساواة -التماثل- بين الرجل والمرأة غير عملية أو منطقية، وإنها ألحقت أضرارًا جسمية بالمرأة والأسرة والمجتمع» ا.هـ. (*٨*)
٣- أما رئيسة الجمعية النسائية الفرنسية -رينيه ماري- فتقول: «إن المطالبة بالمساواة الكاملة بين الرجل والمرأة تصل بهما إلى مرحلة الضياع، حيث لا يحصل أحد من الطرفين على حقوقه»ا.هـ (*٩*)، ولو رجعنا إلى لغة الأرقام التي أجريت في بلاد الغرب لطال بنا المقام.
٤- وهذه كلمات قالتها امرأة من أشهر دعاة الحرية والمساواة بين الرجل والمرأة في منطقة الخليج (*١٠*):
«سأعترف اليوم بأنني أقف في كثير من الأشياء ضد ما يسمى بـ (حرية المرأة)، تلك الحرية التي تكون على حساب أنوثتها، على حساب كرامتها، وعلى حساب بيتها وأولادها، سأقول: إنني لن أحمّل نفسي -كما تفعل كثيرات- مشقة رفع شعار المساواة بينها وبين الرجل، نعم أنا امرأة!
ثم تقول: هل يعني هذا أن أنظر إلى البيت -الذي هو جنة المرأة- على أنه السجن المؤبد، وأن الأولاد ما هم إلا حبل من مسد يشد على عنقي؟ وأن الزوج ما هو إلا السجان القاهر الذي يكبّل قدمي خشية أن تسبقه خطوتي؟ لا، أنا أنثى وأعتز بأنوثتي، وأنا امرأة أعتز بما وهبني الله، وأنا ربة بيت، ولا بأس بعد ذلك أن أكون عاملة أخدم خارج البيت نطاق الأسرة، ولكن -ويا رب اشهد-! بيتي أولًا، ثم بيتي، ثم بيتي، ثم العالم الآخر» (*١١*) انتهى.
وبعد هذا كله: فماذا يقال عمن سوّى بين الذكر والأنثى، والذي خلَقهما يقول: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ ؟
إنك لا تتعجب أن يقع الرد لهذا الحكم القدري من كفار أو ملاحدة، وإنما تستغرب أن يقع هذا من بعض المنتسبين لهذا الدين، والذين يصرحون في مقالاتهم وكتاباتهم بأن هذا الحكم كان في فترة نزول الوحي يوم كانت المرأة جاهلة لم تتعلم! أما اليوم فقد تعلمت المرأة، وحصلت على أعلى الشهادات!
وهذا الكلام خطير جدًا، وقد يكون رِدّةً عن الدين؛ لأنه ردٌّ على الله تعالى، فإنه هو الذي قدَّر هذا الحكم، وهو الذي يعلم ما ستؤول إليه المرأة إلى يوم القيامة.
ثم إن التاريخ والواقع يُكذِّب هذه المقولة من جهتين:
الأولى: أن تكوين المرأة النفسي والبدني (الفسيولوجي) لم يتغير منذ خلقها الله تعالى، فأمُّنا حواء من ضِلع أبينا آدم، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها! ولم يربط الله تعالى ذلك بعلمٍ تتعلمه، أو بشهادة تحصل عليها.
والجهة الثانية لبيان خطأ هذه المقولة:
أن هذا الحكم يدخل فيه أمهات المؤمنين -رضوان الله عليهن-، وهن -بلا ريب- أعلم نساء هذه الأمة، وأتقاهن، ومن هي التي تبلغ عشر علمهن؟! ومع ذلك لم تتعرض واحدة منهن على هذه الأحكام الشرعية التي سمعنها مباشرة من زوجهن رسولِ الله ﷺ، بل قابلن ذلك بالانقياد والتسليم، والرضى والقبول، وجرى على هذا الهدي من سار على نهجهن من نساء المؤمنين إلى يومنا هذا.
ولعلي أختم هذه القاعدة بهذه القصة الطريفة -التي سمعتها من أحد الباحثين، وهو يتكلم عن زيف الدعوى التي تطالب بفتح الباب للنساء؛ لكي يمارسن الرياضة كما يمارسها الرجال- يقول هذا الباحث وفقه الله:
إن أحد العدَّائين الغربيين المشهورين تعرّف إلى امرأة تمارس نفس رياضة العدو، فرغب أن يتزوجها، وتمّ له ما أراد، لكن لم يمض سوى شهرين على زواجهما حتى انتهى الزواج إلى طلاق! فسئل هذا العدّاء: لماذا طلقتها بهذه السرعة؟! فقال: لقد تزوجت رجلًا ولم أتزوج امرأة!! في إشارة منه إلى القسوة في التمارين -التي تتطلبها رياضة العدو- أفقدتها أنوثتها، فأصبحت في جسم يضاهي أجسام الرجال، وصدق الله العظيم، العليم الخبير: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ ، فهل من مُدَّكر؟

قواعد قرآنية للدكتور عمر بن عبد الله المقبل
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://djana.ahlamontada.com
Admin
Admin


المساهمات : 147
تاريخ التسجيل : 20/08/2017

مُساهمةموضوع: القاعدة العاشرة :ولينصرن الله من ينصره   الأربعاء سبتمبر 27, 2017 1:34 pm

هذه قاعدة جليلة من القواعد القرآنية العظيمة، تشع منها القدرة الإلهية؛ لتساند جند الإيمان في كل زمان ومكان.
إن النصر كلمة تعشقها النفوس، وتسعى لها جميع الأمم، وتتطلع لها كل الدول، وهي غاية تختلف الأمم في الوسائل التي تتحقق بها، وإن اتفقت في جملةٍ منها، لكن ثمة معنى شريف، يلفت إليه القرآن أتباعه؛ لترسيخ سبب من أعظم الأسباب التي لا يجوز أن تغيب عن أذهان المؤمنين وهم يقاتلون أعداءهم، أو ربما استعجلوا بقطف ثمرة النصر، ونسيان أسباب تثبيته.
تأتي هذه القاعدة لتقول لأهل القرآن: إن حقيقة النصر إنما هي «بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه ونصرة رسله وأتباعهم، ونصرة دينه وجهاد أعدائه، وقهرهم حتى تكون كلمته جل وعلا هي العليا، وكلمة أعدائه هي السفلى» (*١*).
وهذه القاعدة جاءت ضمن آيتين كريمتين، أبرزتا أسباب النصر، يقول تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ۝ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج:٤٠-٤١].
«ففي هاتين الآيتين الكريمتين وعدَ اللهُ بالنصر من ينصرُه وعدًا مؤكدًا بمؤكدات لفظية ومَعنوية:
أما المؤكدات اللفظية: فهي القسمُ المقدَّرُ؛ لأنَّ التقديرَ: واللهِ لينصرنَّ اللهُ مَنْ ينصرُهُ، وكذلك اللامُ والنونُ في ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ﴾ كلاهُما يفيدُ التوكيدَ.
وأمَّا التوكيدُ المعنويُّ: ففي قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ فهو سبحانه قَويٌّ لا يضْعُفُ، وعزيزٌ لا يُذَلُّ، وكلُّ قوةٍ وعزةٍ تُضَادُّهُ ستكونُ ذُلًا وضعفًا.
وفي قولِه: ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ تثبيتٌ للمؤمِنِ عندما يسْتَبعِدُ النصر في نَظَره لِبُعد أسبابِه عندَه، فإنَّ عواقبَ الأمورِ لله وحْدَهُ، يغَيِّر سبحانَه ما شاءَ حَسْبَ ما تَقْتَضِيه حكمَتُه» (*٢*).
وهذه الجملة التي تضمنتها هذه القاعدة جاءت عطفًا على جملة: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ بالجهاد وإقامة الحدود، ﴿لَهُدِّمَتْ (*٣*) صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ (*٤*) وهذه هي معابد أهل الملل الكبرى، ثم قال سبحانه بعد ذلك -مؤكدًا هذه القاعدة والسنة الإلهية المطردة-: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ .
والسؤال: كيف يكون نصر الله؟ وهل الله محتاج إلى نصره وهو الغني القوي العزيز؟
والجواب على ذلك: أن نصره يكون بنصرة دينه، ونصرة نبيه ﷺ في حياته، ونصرة سنته بعد مماته، وتتمةُ الآيةِ التي بعدها تكشفُ حقيقة النصر الذي يحبه الله ويريده، بل هو النصر الكفيلُ باستمرار التمكين في الأرض، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج:٤١].
ولذا، ما نُصِرَ دين اللهِ بأعظم من إظهار هذه الشعائر العظيمة:
الصلاة: التي هي صلةٌ بين العباد وربهم، وبها يستمدون قوتهم الحسية والمعنوية، وراحتهم النفسية.
وإيتاءُ الزكاةِ: «فأدوا حق المال، وانتصروا على شح النفس، وتطهروا من الحرص، وغلبوا وسوسة الشيطان، وسدوا خَلة الجماعة، وكفلوا الضعاف فيها والمحاويج، وحققوا لها صفة الجسم الحي» (*٥*).
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: وفيه إصلاحٌ لغيرهم، فالناس ما بين جاهل أو غافل، فهؤلاء يؤمرون بالخير ويُذكرون به، أو عاصٍ ومعاندٍ، فهؤلاء ينهون عن المنكر.
فمتى ما علم الله من أي أمة من الأمم أو دولة من الدول أنها ستقيم هذه الأصول الأربعة من أصول التمكين؛ أمدّها الله بتوفيقه، وعونه وإن تكالبت عليها الأمم، وفي سيرة النبي ﷺ وخلفائه الراشدين، ومن سار سيرتهم أصدق الشواهد وأنصعها.
أما إذا علم الله من أحوالهم أنهم إذا عادوا إلى الأرض ومُكِّنوا فيها ما أقاموا صلاةً، ولا آتوا زكاةً، ولا رجحوا معروفًا، ولا قبحوا منكرًا، فإن الله تعالى يكلهم إلى أنفسهم، ويسلط عليهم عدوهم، أو يلبسهم شيعًا ويذيق بعضهم بأس بعض، وفي التاريخ عبرة!
وإنك لتعجب -بعد هذا الإيضاح الرباني لأصول النصر والتمكين- من أناس ينتسبون إلى الإسلام، كيف تنكبوا عنه؟ أم كيف استبدلوا به مذاهب لا دينية أصلًا؟ ولا ينسى الناس قول أحد القياديين في منظمة التحرير الفلسطينية -لمّا أرادوا إعلان الدولة الفلسطينية-: نريدها دولةً علمانية!
إن انتصار اليهود على هؤلاء أقرب؛ فهم أهل كتاب ودين وإن كانوا قتلةً مجرمين.
إن من يقرأ القرآن الكريم بأدنى تأمل، سيجد الحديث فيه ظاهرًا وبيِّنًا عن أسباب النصر وأسباب الهزيمة في مواطن متفرقة، وهي تحكي مواقف وقعتْ لأشرف جيش عرفته الدنيا، قائده محمد رسول الله ﷺ، وجنوده الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.
لقد تساءل أصحاب النبي ﷺ في أُحد عن سبب الهزيمة؟ فجاء الجواب من السماء: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٦٥].
وفي حنين، وقع إعجاب من بعض مُسلمة الفتح بكثرتهم، فكاد الجيش أن ينهزم، فجاء التعقيب الذي تضمن تذكيرًا بمنن الله عليهم في مواطن كثيرة: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة:٢٥].
وفي حديث القرآن عن غزوة بدر -في سورة الأنفال- تصريح بأهم أسباب النصر وأخطر أسباب الهزيمة: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ۝ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [الأنفال:٤٦-٤٧].
ونجد تصريحًا بسبب آخر من أسباب النصر ألا وهو الإيمان، إذ يقول الله عز وجل: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم:٤٧].
والسؤال: أين النصر اليوم عن المسلمين؟ المسلمون في بلدان كثيرة مضطهدون مهزومون، يعيشون ضعفًا ويذوقون عجزًا!
أين النسخ المكررة من يوم الفرقان في بدر الكبرى؟ ويوم الأحزاب؟ واليرموك؟ ونهاوند؟ أو يوم كُسِرَ التتار حين غزوا بلاد الإسلام في أوائل القرن الثامن؟!
إنني حرصتُ أن أنقل إجابات أربعة من علماء الإسلام في القديم والحديث، ومن نواحٍ متفرقة، من المغرب والمشرق؛ لنرى كيف ينظر هؤلاء العلماء إلى الداء والدواء:
يقول القرطبي -رحمه الله- (ت:٦٧١ هـ) -مجيبًا على هذا السؤال القديم في ضوء هذه القاعدة: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ -:
«هكذا يجب علينا نحن أن نفعل (*٦*)! لكن الأعمال القبيحة والنيات الفاسدة منعت من ذلك حتى ينكسر العدد الكبير منا قُدَّام اليسير من العدو كما شاهدناه غير مرة! وذلك بما كسبت أيدينا وفي البخاري: قال أبو الدرداء: إنما تقاتلون بأعمالكم، وفيه مسند (*٧*) أن النبي ﷺ قال: «هل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم» (*٨*)، فالأعمال فاسدة والضعفاء مهملون والصبر قليل والاعتماد ضعيف والتقوى زائلة، قال الله تعالى: ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا الله﴾ [آل عمران:٢٠٠]، وقال: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾ [المائدة:٢٣]، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل:١٢٨]، وقال: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج:٤٠]، وقال: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال:٤٥].
فهذه أسباب النصر وشروطه، وهي معدومة عندنا غير موجودة فينا! فإنا لله وإنا إليه راجعون على ما أصابنا وحل بنا! بل لم يبق من الإسلام إلا ذكره، ولا من الدين إلا رسمه! لظهور الفساد ولكثرة الطغيان وقلة الرشاد، حتى استولى العدو شرقًا وغربًا، برًا وبحرًا، وعمت الفتن وعظمت المحن! ولا عاصم إلا من رحم» (*٩*).
ويقول الإمام ابن تيمية -رحمه الله- (ت:٧٢٨ هـ) مشخصًا الداء ومبينًا الدواء:
«إذا كان في المسلمين ضعف، وكان العدو مستظهرًا عليهم؛ كان ذلك بسبب ذنوبهم وخطاياهم -إما لتفريطهم في أداء الواجبات باطنًا وظاهرًا، وإما بعدوانهم بتعدي الحدود باطنًا وظاهرًا-، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ ، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ ، وقد قال تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ۝ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (*١٠*).
وللعلامة الشيخ محمد رشيد رضا -رحمه الله- (ت:١٣٥٤ هـ) جواب عن هذا السؤال، يحسن إيراده، وهو العالم الذي عاش فترة ضعف وهوانٍ شديدين مرت بهما أمة الإسلام:
«ولكننا نرى كثيرًا من الذين يدعون الإيمان في هذه القرون الأخيرة غير منصورين، فلا بد أن يكونوا في دعوى الإيمان غير صادقين، أو يكونوا ظالمين غير مظلومين، ولأهوائهم لا لله ناصرين، ولسننه في أسباب النصر غير متبعين، وإن الله لا يخلف وعده ولا يبطل سننه، وإنما ينصر المؤمن الصادق وهو من يقصد نصر الله وإعلاء كلمته، ويتحرى الحق والعدل في حربه لا الظالم الباغي على ذي الحق والعدل من خلقه، يدل على ذلك أول ما نزل في شرع القتال قوله تعالى -من سورة الحج-: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ [الحج:٣٩] إلى قوله: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج:٤٠]، فأما الرسل الذين نصرهم الله ومن معهم فقد كانوا كلهم مظلومين، وبالحق والعدل معتصمين، ولله ناصرين. وقد اشترط مثل ذلك في نصر سائر المؤمنين، فقال في -سورة القتال-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧]، والإيمان سبب حقيقي من أسباب النصر المعنوية، يكون مرجحا بين من تساوت أسبابهم الأخرى، فليس النصر به من خوارق العادات» (*١١*).
أما العلامة عبدالرحمن السعدي (ت:١٣٧٦ هـ) فيضمن بيانه عن الداء والدواء حديثًا مهمًا عن الفأل، فيقول:
«إيمان ضعيف، وقلوب متفرقة، وحكومات متشتتة، وعداوات وبغضاء باعدت بين المسلمين، وأعداء ظاهرون وباطنون، يعملون سرًّا وعلنًا للقضاء على الدين، وإلحاد وماديات، جرفت بتيارها الخبيث، وأمواجها المتلاطمة الشيوخَ والشبان، ودعايات إلى فساد الأخلاق، والقضاء على بقية الرمق!!
ثم إقبال الناس على زخارف الدنيا، وبحيث كانت هي مبلغ علمهم، وأكبر همهم، ولها يرضون ويغضبون، ودعاية خبيثة للتزهيد في الآخرة، والإقبال بالكلية على تعمير الدنيا وتدمير الدين، واحتقار واستهزاء بالدين وما ينسب إليه، وفخر وفخفخة، واستكبار بالمدنيات المبنية على الإلحاد التي آثارها وشرها وشررها قد شاهده العباد...
ولكن مع ذلك: فإن المؤمن لا يقنط من رحمة الله، ولا ييأس من روح الله، ولا يكون نظره مقصورًا على الأسباب الظاهرة، بل يكون ملتفتًا في قلبه كل وقت إلى مسبب الأسباب، الكريم الوهاب، ويكون الفرج بين عينيه، ووعده الذي لا يخلفه، بأنه سيجعل الله بعد عسر يسرًا، وأن الفرج مع الكرب، وأن تفريج الكربات مع شدة الكربات وحلول المفظعات» (*١٢*).
نسأل الله تعالى أن يعز دينه وأن يجعلنا من أنصاره، وأن يُظهر أولياءه، ويُذل أعداءه.
قواعد قرآنية
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://djana.ahlamontada.com
Admin
Admin


المساهمات : 147
تاريخ التسجيل : 20/08/2017

مُساهمةموضوع: القاعدة الحادية عشر : ولا يفلح الساحر حيث اتى    الأربعاء سبتمبر 27, 2017 1:35 pm

هذه قاعدة من القواعد القرآنية المحكمة، والتي يتعين إبرازها للناس، وخصوصًا في هذا الزمن الذي راجت فيه سوق السحرة والمشعوذين، إنها القاعدة التي دل عليها قوله تعالى: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه:٦٩] (*١*)، وفي معنى هذه القاعدة قوله تعالى: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ﴾ [يونس:٧٧].
وهذه القاعدة جاءت ضمن قصة موسى مع سحرة فرعون في سورة طه، بعد أن واعدهم موسى، هو في خندق، وفرعون ومن معه من السحرة في خندق آخر، فلما اجتمعوا: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى ۝ قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى ۝ فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى ۝ قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى ۝ وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه:٦٥-٦٩].
ووجه اطراد هذه القاعدة: أن المتقرر في علم النحو: أن الفعل المضارع إذا كان في سياق النفي فإن ذلك يكسبه صفة العموم، وهكذا الفعل (لا يفلح) فإنه جاء في سياق النفي، فدل ذلك على عمومه، فلن يفلح ساحر أبدًا، مهما احتال، وتأمل كيف عمم ذلك بالأمكنة فقال: ﴿حَيْثُ أَتَى﴾ (*٢*).
وفي اختيار الفعل ﴿أَتَى﴾ دون قوله -مثلًا-: حيث كان، أو حيث حل سرٌ، ولعل السر في ذلك: من أجل مراعاة كون معظم أولئك السحرة مجلوبون من جهات مصر المختلفة، كما قال تعالى: ﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء:٣٨] (*٣*).
يقول العلامة الشنقيطي -معلقًا على نفي الفلاح عن الساحر مطلقًا-:
«وذلك دليل على كفره؛ لأن الفلاح لا ينفى بالكلية نفيًا عامًا إلا عمن لا خير فيه، وهو الكافر، ويدل على ما ذكرنا أمران:
الأول: هو ما جاء من الآيات الدالة على أن الساحر كافر، كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة:١٠٢]، فقوله: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ يدل على أنه لو كان ساحرًا -وحاشاه من ذلك- لكان كافرًا، وقوله: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ صريح في كفر معلم السحر.
الأمر الثاني: أنه عرف باستقراء القرآن أن الغالب فيه أن لفظة (لا يفلح) يراد بها الكافر، كقوله تعالى في سورة يونس: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ۝ قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ [يونس:٦٨-٦٩]، وقولِه في سورة يونس أيضًا: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [يونس:١٧]» (*٤*).
كم هي الآيات التي تحدثت عن السحر والسحرة في كتاب الله تعالى، وأخبرت عن ضلالهم، وخسارتهم في الدنيا والآخرة! ومع هذا فيتعجب المؤمن كثيرًا؛ من رواج سوق السحر والسحرة في بلاد الإسلام!
وليس العجب من وجود ساحر أو ساحرة؛ فهذا لم يخل منه أفضل الأزمان، وهو الزمن الذي عاش فيه النبي ﷺ فضلًا عن غيره!
وليس العجبُ -أيضًا- من ساحر يسعى لكسب الأموال بأي طريق!
لكن العجب من أمة تقرأ هذا الكتاب العظيم، وتقرأ ما فيه من آيات صريحة واضحة في التحذير من السحر وأهله، وبيان سوء عاقبتهم ومآلهم في الدنيا والآخرة، ومع ذلك يقفون زرافاتٍ ووحدانًا أمام عتبات أولئك السحرة المجرمين!! سواء أمام بيوتهم، أم أمام شاشات قنوات السحر والشعوذة، والتي راجت سوقها منذ فترة من الزمن! يلتمسون منهم التسبب في إيقاع الضر بأحد أو إزالته عن آخر، وكأن هؤلاء لم يقرؤوا قول الله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٠٢]!
والمقطوع به أنه لولا تكاثر الناس على هؤلاء السحرة لما راجت سوقهم، وانتشر باطلهم!
إن مرور الإنسان بحالة مرضية صعبة، أو حالة نفسية شديدة، لا يبيح له بحال أن يرد هذه السوق الكاسدة -سوق السحرة- وكيف يرجى الربح من أناس حكم عليهم ربهم بالخسران؟! وإن الله تعالى أرحم وأحكم من أن يحرم عليهم إتيان السحرة، ولا ينزل لهم دواء لما ابتلوا به! كما قال النبي ﷺ: «لكل داء دواء فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله عز و جل» (*٥*).
وفي البخاري عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «ما أنزل الله داءً إلا أنزل له شفاء» (*٦*).
ولعظيم ضرر السحر، فقد حرمته جميع الشرائع.
إن من أيقن بأن الساحر لا يفلح حيثُ أتى، وأيقن بأنه لا يفلح الساحرون، دفعه هذا إلى أمورٍ، من أهمها:
- البعد عن إتيان هذا الصنف من الناس الذين نفى الله فلاحهم في الدنيا والآخرة -بغية علاج أو نحوه- وكيف يرتجى النفع ممن حكم عليه رب العالمين بأنه خاسر في الدنيا والآخرة!!
- الحذر من التفكير في ممارسة شيء من أنواع السحر، مهما كان المبرر، سواء بقصد العطف، أو الصرف -كما تفعله بعض النساء- وتظن أن قصدَ استمالةِ الزوجِ، أو منعِه من الزواج عليها، ونحو ذلك من الشبه، أن ذلك يبيح لها ما تصنع، فإن هذا كله من تزيين الشيطان وتلبيسه.
- ليعلم كل من يمارس السحر أو تسبب في فعله ذلك أنه على خطر عظيم، وأنه قد باع دينه بثمن بخس، وأن الشياطين هم شيوخه وأساتذته في عمله هذا، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ…﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:١٠٢].
- إن ضعفت النفس لحظة، وزين الشيطان لها شيئًا من هذه الأفعال المنكرة، فليبادر بالتوبة الآن، وليقلع عن هذا العمل الباطل، وليتحلل ممن لحقه الأذى من جراء هذا الفعل، قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، وقبل أن يوقف للحساب بين يدي من لا تخفى عليه خافية، الذي يعلم من هو الساحر؟ ومن هو المسحور؟ ومن هو المتسبب في ذلك كله! فيقتص للمظلوم من ظالمه، حين تكون الحسنة أغلى من الدنيا وما عليها!
إن يقين المؤمن بهذه القاعدة: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ مما يقوي عبادة التوكل عنده، وعدم الخوف من إرهاب هذا الصنف الحقير من الناس، وهم السحرة، ويتذكر عندها قول الله عز وجل: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ وفي قراءة: ﴿أليس الله بكافٍ عباده﴾؟ والجواب: بلى والله.
ومما يحسن تأمله والتفكرُ فيه: أن هؤلاء السحرة رغم ما يملكون من الأموال، وما يعيشونه من سكرة التفات الناس إليهم، إلا أنهم من أتعس الناس حياةً، وأخبثهم نفوسًا، ولا عجب! فمن سلّم قياده للشياطين، وكفر برب العالمين، كيف يسعد أم كيف يفلح؟!



قواعد قرآنية
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://djana.ahlamontada.com
 
القاعدة التاسعة :وليس الذكر كالانثى
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
كنوز تقودك الى جنة الدنيا والاخرة :: القرآن منهاج حياة :: 50 قاعدة قرآنية كل يوم قاعدة تدبروها واعملوا بها-
انتقل الى: